الرئيسية / ثقافة عامة / بابل .. رحم السحر ومعقل فرسه (الجزء الثاني)

بابل .. رحم السحر ومعقل فرسه (الجزء الثاني)

برج بابلبابل .. رحم السحر ومعقل فرسه ( برج بابل)

لطالما كان رمزا لكبرياء الانسان، و إلتف حوله الغموض من كل جانب برج بابل… هذا الصرح العظيم… أين كان؟… ما سبب بناءه؟… في أي وقت بني؟… كيف بني؟ … كيف كان شكله؟… ما الارتفاع الذي بلغه؟… و كيف انتهى به الامر؟

قاد الفضول الكثير من الباحثين والمستكشفين و المشككين إلى القيام بأبحاث و رحلات استكشافية مجهولة الوجهة لتقصي حقيقة برج بابل ذلك البرج المهيب والذي جلب غضب الله فدكه دكا.

حضارة بابل هي حضارة ملأ ذكرها العالم ولا تزال تذكر إلى يومنا هذا. رغم أننا للأسف لا نعرف الكثير عن تأريخها الذي هو ممتد إلى ما قبل ما تشير إليه الأبحاث و أول من نقب فيها هو الأستاذ “روبرت كولدوي” ابتاءا من عام 1899 م وما لدينا من معلومات عن هذه المدينة يعود إلى ما يعرف بسلالة بابل الأولى في الفترة ما بين القرن الثامن عشر إلى القرن السّادس قبل الميلاد (1894- 1595 ق. م) فترة حكم حمورابي، بين نهري دجلة والفرات جنوب بغداد في العراق، حيث كانت تُعرف في تلك الفترة ببلاد سومر، وبلاد ما بين النهرَين  وكانت المدينة تسمى بالسومرية (كا – دنكير – را)، وحول اللسان الأكدي هذه التسمية إلى (باب – إيلي) ومنها باب إيل ونسخت التوراة هذه التسمية إلى (بابل) وهي بلا شك تعني باب الإله.

حَكَمَ هذه الحضارة الكثير من الملوك خلال تلك القرون، ومن أبرزهم الملك حمورابي الذي أسس دولة لمدينة بابل عام 1763 قبل الميلاد، ويَشتهر هذا الملك بقانون حمورابي الذي وضعه حتى يسير عليه شعب بابل، وحتى عام 1240 ق.م استولى على بابل الآشوريون، ولكنهم لم يستمروا في حكمها كثيراً، فظهر الملك نبوخذ نصّر كملك لبابل لفترة حكم امتدت ما بين 1245 ق.م إلى 1104 ق.م، ثمّ دخلها الكلدانيون واستولى عليها الفرس عام 500 ق.م، وقد خلّفت الحضارة البابليّة الكثير من الآثار التاريخية التي ما زالت موجودة إلى الآن وأهمها برج بابل. برج بابل في بداية الحديث عن البرج علينا أن نذكر أنّ بابل هي مدينة قديمة، وقد ذُكرت في القرآن الكريم كقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [البقرة:1022]. وإنّ آثار برج بابل هي التي دلّت على حضارة مدينة بابل.

الصورة أعلاه تمثل نموذجا لبرج بابل في المتحف البرطاني وبنسبة وتناسب بين حجم البرج وحجم السفن العظيمة كما يشير أمين قسم الشرق الاوسط في المتحف البرطاني الدكتور “ارفنك فينكل”.

“بنجامين تيوديلا” و”جون الدريد” و”جوزيف دي بوشامت” وغيرهم الكثير من الرحالة الأجانب جاؤوا إلى العراق في إثر أبسط دليل وإن كان قول عجوز أخرف بشأن البرج وتحملوا التعب والنفقات التي يسترعيها ذلك البحث الغير مدروس وأفضى بحثهم إلى اربعة أبراج أثرية في منطقة بابل بالعراق يتمحور الشك حول كونها بقايا برج بابل وهي:

– زقورة عقرقوف (دور كوريكالزو) بغداد

– زقورة مجيليبة (قرب بابل)

– زقورة بيرس نمرود (بورسيبا – بابل)

– زقورة كيش (تل الأحيمر)

وقد عُثر على لَوح حجريٍّ يَصف هذا البُرج، و يعود اللوح إلى زمن الملك سلوقس الثاني ويؤرخ اللوح بالتأريخ التالي الثاني عشر من كانون الثاني عام 229 قبل الميلاد. ويذكر من صفات برج بابل : أن طوله الكلي قد بلغ 180 مترا ويتكوّن البرج من ستِّ طبقات مبنيّة فوق مِصطبة أو قاعدة مربعة الشكل تبلغ مساحتها 92 متراً مربعاً، كما ذُكرت في اللوح الحجري، وهذه المصطبة لها أربعة أبواب من الجوانب، ويقال ستّة أبواب، تؤدي هذه الأبواب لمعابد مختلفة، مثل بوابة الشّمس، والبوابة الكبيرة، والبوابة العظيمة، وبوابة التماثيل، وبوابة القتال، وبوابة منظر البرج، ويعلو هذه المصطبة بناء ضَخم. تتصف طبقات برج بابل بعدة صفات، فالطبقة الأولى أكبر الطبقات حيث يبلغ ارتفاعها 100 أمتار، ومن ثمّ تعلوها الطبقة الثّانية التي يبلغ ارتفاعها 5 أمتار، وهي منحدرة ومائلة في بنائها، ثمّ تأتي الطبقة الثالثة، والرابعة، والخامسة، والسادسة فجميعها متساوية في ارتفاعها والذي يساوي المترين أي 20 قدماً، ولكنّها مختلفة بالمساحة، حتى تُشكّل برجاً لولبياً أو مدرّج الشكل، وعلى قمّة البرج يوجد المعبد الأعلى للإله بل مردوخ، ولا وجود لأيّ تماثيل له. توجد المعابد والمقصورات حول قاعدة البرج، وتوجد في الجهة الشرقيّة للقاعدة 16 مقصورة مخصّصة للملك نبوخذ وزوجته، وفي الشمال معبدان مخصصان لإلهيّن مختلفين، وفي الجنوب معبد واحد مخصص لإلهيّن عظيمين، وفي الغرب توجد المباني الرئيسيّة، ويذكر أنّ هناك سريراً للآلهة وعرشاً ذهبياً.

ويرجح سبب بنائه إلى عدد من الأسباب أهمها:

– ما ورد في التوراة أن أهل بابل أرادوا بناءه لأنهم أرادوا أن يرتقوا إلى السماء ويصلوا إلى الجنة.

– كما في التوراة يقول البناؤون انهم يبنون برجا ومدينة ليجعلوا لهم اسما ووطنا كي لا يتشتتوا في الارض.

– بعض علماء الآثار يرجحون بناء البرج كوسيلة للوقاية من أخطار الطوفان التي كانت تتهددهم بين الحين والآخر.

وأشارت كل المصادر والتنقيبات أن مادة البناء هي الآجر المشوي و يصنع من الطين ثم يشوى ويستخدم القير بدلاً من الإسمنت في رص الأجر بعضه ببعض.

والأرجح والجامع حول سبب بناء وهدم برج بابل هو الخطط البشرية العقيمة ببناء مدينة مرتفعة عن الأرض كي تحميهم من الطوفان. وكما هو معلوم فبعد طوفان نوح عليه السلام وعد الله نبيه ألا يغرق الأرض عامة بعدها وكان قوس قزح المعروف هو الميثاق على ذلك. لكن النفس البشرية المريضة وسوست لخلف نوح من المؤمنين الناجين من الطوفان بناء برج عالي يكون مدينة لهم وملجأ في حال ما إذا ما حلّ الطوفان مرة أخرى، غير واثقين في ميثاق ربهم. لم يكن الشر في إقامة المدينة ذاتها أو الرغبة في بناء برج شاهق، وإنما غاية هذا العمل هو أنهم لم يثقوا في ميثاق الله مع أبيهم نوح عليه السلام وحسبوا الله مخلفا وعده. ولم يعلموا أن الله لا مفر منه إلا إليه. فنسف برجهم وهدّه هدًّا فصار دكا في الأرض لا يعرف حتى مكانه. ومن هنا بلبل لغة القوم على عدة ألسن فأصبحوا  لا يعرفون حديث بعضهم بعضا فتشتتوا في الأرض ومن هنا جاء اسم بابل أي من بلبلة الألسنة. وبدأ عصر جديد للبشر متعدد اللغات متفرق الأوطان. لمعرفة المزيد حول أصل اللغات

ليأتي الأسكندر إلى بابل ويرها جنة الأرض كما وصفت له ويجعلها عاصمة دولته العظمى ويتفقد برج بابل المهدم وينوي إعادة بناءه من جديد وتبدأ العملية الضخمة وترفع الحطام والركام ويخلى الموقع ولكن لم يكتب لهذه المهمة الجبارة ان تنتهي فقد أقعدت حمى بابل الأسكندر وقتلته فمات الحلم معه. وهذا لأن أمر الله فوق كل ملك.

و في القرون التي عقبت عهد الاسكندر وجد السكان في بقايا البرج مصدرا مفيدا جدا لمواد البناء ومدهم لمئات السنين بآجر مشوي و أيّ آجر هذا؟ هو من النوع الفاخر فبنوا منازلهم من تلك الآجرات. حتى أن بعض المباني القديمة في بابل في أيامنا هذه تحمل على جدرانها أجرا منقوشا باللغة البابلية القديمة. قد تعود لبرج بابل الأسطوري.

لابد من ان كان البرج حقيقياً، نسجت حوله الأساطير كونه اقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة لطالما كان رمزا لكبرياء الانسان، وإلتف حوله الغموض من كل جانب ولم نستطع أن نستشف المعلومة التي تشبع تساؤلاتنا عنه.

ترقبوا جزءا ثالثا لسلسلة بابل .. رحم السحر ومعقل فرسه عن أسطورة الفاتنة فينوس.

بابل .. رحم السحر ومعقل فرسه (الجزء الأول) “النمرود”.

عن راضية بن مني

Profile photo of راضية بن مني
عجوز حكيمة في العشرينات... من كوكب يبعد آلاف النجمات... دودة صغيرة تأكل الكتـب.. غذاؤها العلوم وتحليتها الأدب... مصممة أزياء هاوية ..بلمسة إبداع راقية.... وكيميائية غذاء صحي.. تعشق المطبخ الفرنسي..... وبقراءتك لمقالتي.. أنت تصنع سعادتي.

شاهد أيضاً

وزير سعودي يعاود عمله بعد احتجازه في حملة على ‘الفساد’

saudi-assaf حضر وزير الدولة السعودي إبراهيم العساف الثلاثاء اجتماعا لمجلس الوزراء بعد أسابيع من احتجازه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: محتوانا حصري لا يمكن نسخه إلا بعد طلب الإذن!!